أحمد ابراهيم الهواري

19

من تاريخ الطب الإسلامي

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم تقديم الناظر في مشهد الحضارة الإسلامية ، يجد أنها تمثلت منجزات الحضارات السابقة . وبدأ إسهامها يشف عن قيم الخطاب الإسلامي الذي يؤكد على إيمان معتنقيه باليهودية والمسيحية . ومن ثم ، فالتأصيل المعرفى لقبول « الآخر » ، والتلاقى معه ، يستند - في مرجعيته من تاريخ الأديان والحضارة - لهذا التراكم المعرفى الذي كان من عطائه وتجلياته ، احتفال الخلفاء المسلمين بعلماء ممن يديون باليهودية أو المسيحية ، وأغدقوا لهم العطايا والهبات . وهذه الشفافية في السلوك ، وقبول الآخر ، والرحابة في الانفتاح على ثقافته ، تفسر لنا علة معاملة الإسلام لأهل الذمة ، وكان هؤلاء من الروافد الرئيسة التي شكّلت عصب الحضارة الإسلامية والتمدن الإسلامي . ولعل هذه الحضارة ، وقد قامت في مرتكزها الفلسفي على « الجدال » ، ما عزز من تهيئة المناخ ، لمواجهة النصوص بين أصحاب الديانات ، والمذاهب الفلسفية والكلامية بأطيافها ، وأفضى في التحليل الأخير إلى إرساء تقاليد قبول الآخر ، باعتباره من أبناء تلك الحضارة التي تظلهم بظلها وتكلؤهم برعايتها . فالحكمة لا وطن لها . وثمة قضيتان تطالعان المتأمل في هذين الكتابين الكتاب الأول : من تاريخ الطب الإسلامي للدكتور قاسم غنى ، وقد كان سفيرا سابقا لإيران في القاهرة ، والكتاب نشر منجما في مجلة الرسالة في الأعداد التي تبدأ على التوالي من مايو 1948 إلى يوليو 1948 . وهذه المقالات المجموعة التي تنشر لأول مرة في كتاب ، تطرح قضية نشأة الطب الإسلامي ، والمراكز العلمية آنذاك ، وتكشف من خلال التحليل التاريخي عن انفتاح الحضارة الإسلامية على « الآخر » في حضارات الشرق القديم : الحضارة الساسانية واليونانية ، وممن شاد لبنات تلك الحضارة الإسلامية ، علماء من أهل الذمة ، أي أن تلك الحضارة ، وقد كانت في عافيتها ، واثقة من نفسها ، لا يمثل الآخر بالنسبة لها حسّاسية بقدر ما يشكل رافدا تغتذى منه تلك الحضارة وتزدان . أما الكتاب الثاني : « تاريخ البيمارستانات في الإسلام فهو يقدم مشهدا جامعا حيث يستوعب في بعده الجغرافي المراكز الطبية في ربوع العالم الإسلامي ، ويرصد في بعده